الرئيسية / الرئيسية / نصيحة مهاجر جزائري: اتركوا أوطانكم لكي تحبوها!

نصيحة مهاجر جزائري: اتركوا أوطانكم لكي تحبوها!

لندن- توفق رباحي (القدس العربي)

أحتفظ في أرشيفي بكمٍّ هائل من المراسلات من أناس، لا أعرف شخصيا أغلبيتهم الساحقة، راسلوني رداً على مئات المقالات نشرتها على امتداد العقدين الماضيين.
كثيرون جداً من المراسلين جزائريون. وكثيرون منهم بإمكانك ان تخوض معهم في نقاش راق يريح العقل والقلب. لكن كثيرين، بالمقابل، مُتعِبون يحبون تقسيم الناس وفق مقاييس يضعونها للآخرين. أحد هذه المقاييس، جزائريو الداخل وجزائريو الخارج. ولا يخلو التقسيم من تلميح وتصريح إلى «الذين قفزوا من قارب الجزائر عندما كان في خطر»، و»الذين بقوا فيه وتكبدوا الألم والخطر».. الطيبون والأشرار!
عانينا في الجزائر من عقدة «الداخل والخارج» منذ ما قبل حرب التحرير في بداية النصف الثاني من القرن الماضي. وامتد النقاش، العقيم في أغلبه، إلى ما بعد الاستقلال فكاد أن يمحي دور «فيدرالية جبهة التحرير في فرنسا» (ممثلية الجزائريين في فرنسا أثناء الحرب) من التاريخ الرسمي رغم أنهم كانوا الممول الرئيسي للثورة.
ثم عندما اقترب الزمن من علاج هذه المعضلة، حلت علينا لعنة الحرب الأهلية في 1992 فبعثت النقاش من جديد، بحدة وظلم في أغلب الأحيان لتبرير مواقف معينة أو للتهرب من مسؤولية ما.
شخصيا لديّ ثوابت ومتغيرات في هذا النقاش. من الثوابت أن هذا النقاش بالذات اتسم دائما بالبعد عن الموضوعية. يطغى عليه دائما الذاتي والميل للانتقام وتصفية الحساب، مع شيء من الإساءة والثلب في بعض المرات. هل يجب أن نربط هذا بالمقارنة بالآخر وما يترتب عنه من مشاعر (إنسانية) كالغيرة والكراهية والحسد؟ أفضِّل ألا أجيب.
ومن الثوابت أنك لا يمكن أن تستمر في العيش في 2016 كما لو أنك في 1975. تغيّرت الأزمنة والأمكنة ولا قدرة لأحد على وقف قطار وسرعة التغيير. العالم اليوم يعيش حركة الشعوب فلا غرابة ان تكونت عائلات (جزائرية) نصفها من جزء من الأرض ونصفها الثاني من جزء آخر وهي تستقر في جزء ثالث وتخطط للعيش في رابع. ولا يوجد أفضل من أن يعيش الانسان في عمارة سكانها من القارات الخمس ويتحدثون أربع او خمس لغات يأخذون منه ويأخذ منهم.
غادرت الجزائر سنة 1995، مثل الآلاف، عندما بلغت الدماء الرُّكبَ واستبيحت الأرواح والممتلكات.
غادرتها لما بات سهلا على أحدهم أن يدل قاتلك نحو بيتك مقابل كيلوغرام من الموز أو علبة سجائر مالبورو.
غادرتها عندما يُقتل الرجل أو المرأة في حيٍّ شعبي، فيلام بالقول: وما الذي أخذه إلى هناك؟
غادرتها لأنني رفضت ان يقتلني نذل برصاصة يتيمة في مؤخرة الرأس فلا يمنحني فرصة النظر في عينيه.
غادرتها لأنني لم أعد أفهم مَن ينوي قتلي ولماذا.
غادرتها لأن دفن الزملاء والأصدقاء بدأ يتحول إلى مناسبة اجتماعية تجمعنا في رحاب المقابر بعد أن أصبحنا أعجز عن أن نلتقي في غيرها.
غادرتها لأنني رفضت أن أشترك في مذبحة جماعية يقتل فيها أيٌّ كان أيًّا كان قبل أن يعرفه. لا القاتل يعرف ولا المقتول يعرف.
غادرتها عندما اقتنعت بأن هذه الدولة تخلت عني للقتلة (حتى لا أقول سلمتني لهم)، وفي أفضل الحالات لم تبد جاهزية وكفاءة لحمايتي.
غادرتها عندما اقتنعت نهائيا بأن أفضل خدمة يمكن تقديمها للجزائر، في تلك الظروف المجنونة، هي الخروج منها.
لن أبالغ إن قلت أنني أتحدث هنا باسم عشرات آلاف الجزائريين الذين غادروا آنذاك في مثل ظروفي وفي الحالة النفسية المحطمة نفسها.
اليوم وقد بات من الصعب جداً العودة إلى الوراء، أقول إن «الداخل» ليس أفضل من «الخارج» في شيء. وليس لا أكثر «وطنية» منه، لأن حب الأوطان لا يقاس بالجغرافيا وبالمسافات الكيلومترية. وأضيف أن كثيرين من أصحاب «الداخل» الذين احترفوا فنون المزايدة على «الخارج» لم يجدوا فرصة للخروج أو وجدوها وأساؤوا استغلالها (وقفت على مسؤولين ـ سابقين ـ كبار لا يفوتون مؤتمرا دوليا لا يوزعون فيه سيرهم الذاتية. وعرفت إعلاميين لم يتركوا احداً لم يطلبوا وساطته من أجل وظيفة في الخارج).
قناعتي المطلقة أنك كي تحب الجزائر بصدق يجب أن تخرج منها. لا يشعر بهذا إلا من مرّ بهذه التجربة. ليس لديك متسع من الوقت كي تفكر في حبها وأنت فيها، ولا تملك ترف عشقها.
نحن شعب طيب في أعماقه لكنه يعطي الانطباع بالعدوانية في الظاهر. ننظر إلى بعضنا شذرا وبعدوانية في الاختناقات المرورية كأن احدنا يحمّل الآخر مسؤولية تعطل السير. نمضي ساعات نهارنا نلعن «بلاد ميكي» و«الشعب الراشي» و«دولة الباندية». نرفض أبسط الأشياء والمواقف ونتحمل أكثرها تعقيدا وصعوبة بل وإهانة، بعيدا عن أي فهم أو منطق. ما لم يخرج المرء إلى «الخارج» سيبقى على هذه الحال معتقداً أنه من حق الذين في «الداخل» وحدهم سبَّ هذه البلاد وانتقادها، فقط لأنهم لم يخرجوا منها، بينما سقط حق الذين غادروا في مجرد الانتقاد فقط أنهم اختاروا الاستقرار في أرض أخرى.
لكن في الخارج نجد سهولة في التصالح مع الذات، ونجد الأعذار لهذه البلاد، فنحبها أكثر من دون انتظار مقابل.
سئلت في ندوة إذاعية ذات يوم عن مشاريع المستقبل واحلام عودة المغتربين إلى الجزائر وغيره، فأجبت: أقترح ان تأتوا انتم إلى حيث نحن. لن تتغيروا طالما بقيتم هناك. خيانة الوطن (بمفهومكم) هي الطريق إلى حبه.