الرئيسية / الرئيسية / تحليل: الإسلاميون الجزائريون.. ربع قرن من التناسل والفشل

تحليل: الإسلاميون الجزائريون.. ربع قرن من التناسل والفشل

خالد عمر بن ققة*

التيار الإسلامي في الجزائر يسعى لتشكيل تحالف سياسي واسع استعدادا للانتخابات البرلمانية المقررة في أبريل المقبل، وهذا الأمر لن يكون سهلا أو في المتناول، وذلك بسبب قيود كثيرة وصارمة وضعها القانون، من أهمها فصل الدعوي عن السياسي، دون أن نغفل عن شرط الولاء للرئيس الحالي، وما يعنيه ذلك من حسابات سياسية تضيّق الخناق على الأحزاب السياسية الدينية.

المشهد السياسي الحالي في الجزائر لم يعد أسيرا، كما كان خلال العشرية الدموية، لأعمال الجماعات الدينية الإرهابية وتجاوزت السلطة -غير الشرعية والشرعية- في استعمالها للعنف المنظم، فهو الآن يتمتع بحرية نسبية ينظمها القانون، تعتمد على ثلاثة مرتكزات أساسية، أولها: الممارسة الديمقراطية لجهة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وثانيها: تقديم فروض الطاعة والولاء للنظام الحاكم، وخاصة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وثالثها: تقديم الدنيوي على الديني حتى لو تعلق الأمر بالفساد، وتعارضه مع الثوابت، وهذا تشترك فيه كل الأحزاب المعارضة والموالية للحكم، الدينية منها والعلمانية.

وبناء على هذه الخلفية يمكن لنا أن نتابع ما يحدث الآن من تغيرات سياسية في الجزائر ودور الإسلاميين فيها، وخاصة تلك المتعلقة بالانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في أبريل المقبل، انطلاقاً من من أول تجربة تعددية في الجزائر المستقلة شارك فيها الإسلاميون، في 26 ديسمبر 1991، وفازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في جولتها الأولى بـ188 مقعدا من أصل 231، وكانت مُرجَّحة للفوز بالأغلبية الساحقة في الجولة الثانية، لولا تدخل الجيش، وتوقيفه للمسار الانتخابي في مرحلة أولى، ثم إلغاء نتائج الانتخابات في وقت لاحق.

تلك التجربة لم تعد مرجعية للإسلاميين، بما فيها القيادات التي كانت مساهمة في العمل الإسلامي قبل التعددية، ولا تزال على قيد الحياة، حيث نلاحظ اليوم وبعد ربع قرن من تجربة الظهور العلني والمشاركة في العمل السياسي وفي الحكم أيضا، التخلي عن الأطروحات التي ظهرت نهاية السبعينات من القرن العشرين في الجامعات الجزائرية في إطار ما سمي بـ“الصحوة الإسلامية”، حين تقاسمت في ذلك الوقت ثلاث مجموعات العمل الإسلامي المنظم، هي: جماعة الإخوان المسلمين الدّوليين بقيادة الشيخ محفوظ نحناح، وجماعة الإخوان المحليين بقيادة الشيخ عبدالله جاب الله، وجماعة الطلبة أو جماعة مسجد الجامعة المركزي أو أتباع مالك بن نبي (أو ما يعرف عند البعض بتيار الجزأرة) بقيادة الدكتور محمد بوجلخة ثم الشيخ محمد السعيد.

تمّ التخلي عن هذا الميراث منذ أن فتح نظام حزب جبهة التحرير الوطني بقياد الرئيس الشاذلي بن جديد، المجال أمام الإسلاميين للمشاركة في الحياة السياسية، والاعتراف بهم دستوريا، فمثلا اعتقدت كل جماعة أنه من خلال وصولها إلى الحكم تمكن “أسلمة الجزائر من جديد”، إلى درجة تجاهل مرجعيتها واتفاقاتها ومطالبها السابقة، من ذلك نداء 12 نوفمبر 1982، الذي أطلقته مجموعة من العلماء منهم أحمد سحنون وعباسي مدني، واشتمل على 14 بندا، منها ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وشجب تعيين نساء وعناصر مشبوهة في القضاء، ورفض الاختلاط في المؤسسات، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، والتنديد بوجود عملاء أعداء للدين في أجهزة الدولة.

الأحزاب الإسلامية تطرح صيغة للعمل المشترك للفوز في الانتخابات البرلمانية، متجاهلة تناسلها غير الشرعي

ولم تكتف تنظيمات تيار الإسلام السياسي، التي جمعتها في الماضي مواجهة نظام الحزب وفرقتها التعددية، التنكر لنداء نوفمبر 1982، بل تبرأت تطبيقيا من التزاماتها تجاه “رابطة الدعوة”، التي تمّ تأسيسها سنة 1989 برئاسة أحمد سحنون، وهي عبارة عن مظلة للتيارات الإسلامية كلها، وكان من بين أعضائها محفوظ نحناح، وعباسي مدني، وعلي بلحاج، وهؤلاء القادة جمعتهم الدعوة وفرقتهم السياسة وأعمتهم عن تحقيق أي من أهداف رابطة الدعوة، المتمثلة في إصلاح العقيدة، والدعوة إلى الأخلاق الإسلامية، وتحسين الاقتصاد المنهار في الجزائر، والنضال على مستوى الفكر.. إلخ.

الجيل الجديد من الإسلاميين في ذلك الوقت، حوّل الأفكار المطروحة والمتراكمة للقادة والمؤسسين الأوائل إلى مشاريع عملية، وقد تبدّى ذلك في دعوة علي بلحاج إلى تشكيل الجبهة الإسلامية الموحدة، وأيده في ذلك عباسي مدني، مع اقتراح اسم آخر هو الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقد رفض محمد السعيد بداية تشكيل الجبهة لكنه التحق بها بعد الانتخابات البلدية، كما رفض محفوظ نحناح أيضاً الفكرة في البداية ثم أسَّس حركة المجتمع الإسلامي، وأسّس عبدالله جاب الله حركة النهضة الإسلامية، وهكذا أصبح لكل زعيم ديني حزبه المنافس للأحزاب الإسلامية الأخرى على مسارين، الأول على الساحة الدعوية أي على مستوى المجتمع، الثاني على الصعيد السياسي، أي سعيا للوصول إلى الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب أحزاب إسلامية أخرى.

ولم تستطع الجزائر التخلص من تركة تلك الرؤية المصلحيّة إلى الآن، صحيح أن جبهة الإنقاذ كانت الأقرب إلى العمل السياسي مقارنة ببقيّة الأحزاب، ناهيك عن أنها مثَّلت المعارضة الحقيقية، كما عبّدت الطريق للأحزاب الإسلامية، وبفضل تجربتها اعترفت الدولة الجزائرية بشرعية وجود الإسلاميين في العمل السياسي، لكن هذا لا يحول دون القول بأن صراع الإسلاميين في ما بينهم عطَّل المشروع الوطني، وأجهض العمليّة الديمقراطية في وقت مبكّر، وفتح المجال للإرهاب، والأخطر من هذا كلّه إحداثه للصراع بين الإسلام الشعبي، وإسلام الأحزاب الدينية.

ولم تكن أعمال العنف والإرهاب التي قامت بها الجماعات الإسلامية المسلحة ولا حتى تلك التي قام بها الجيش الإسلامي للإنقاذ، نتيجة فقط لاستعادة حق للإسلاميين سلب من طرف الجيش، ولكنها منهج عمل وقناعة مسبقة، ظهرت قبل تعليق ثم إلغاء نتيجة الانتخابات، والدليل على ذلك الاعتداء الذي وقع في مدينة قمار في نوفمبر 1991، أي قبل إجراء الانتخابات. المهم أن جبهة الإنقاذ تناسلت من خلال التنظيمات المسلحة، خاصة تلك العائدة من أفغانستان، في حين تناسلت الأحزاب الإسلامية الأخرى خاصة بعد انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة، من خلال تكاثر قائم على الصراع من أجل السلطة داخل الحزب وداخل الدولة أيضا.

اليوم، تطرح الأحزاب الإسلامية صيغة للعمل المشترك لأجل الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة، متجاهلة تناسلها غير الشرعي من جهة، والمعطيات الراهنة على الساحتين المحلية والدولية من جهة أخرى، والمثال أمامنا إعلان حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية موافقة قيادة الحزبين على مشروع اندماجي، لينهيا انقساما دام 16 عاما، عندما فجر ملف دعم ترشح الرئيس الحالي، عبدالعزيز بوتفليقة، لانتخابات الرئاسة في 1999، ما يسمى “حركة النهضة التاريخية” إلى جناحين، الأول داعم لترشيح بوتفليقة، والثاني رافض، بقيادة زعيم الحركة التاريخي، عبدالله جاب الله، الذي انشق عن الحزب، وأسس حركة الإصلاح الوطني، ثم انشق عنها وأسس حزبه الثالث “جبهة العدالة والتنمية”.

وبعيدا عن هذا التحالف المنتظر فإن مجموع التيار الإسلامي في الجزائر يتشكل من ستة أحزاب رئيسية، تولدت عن حركتي مجتمع السلم وحركة النهضة التاريخية، وهذه الأحزاب جميعها تتنافس وتتصارع، ومؤهلة للمزيد من التراجع، وقد سبق لها أن كانت جزءا من النظام الحاكم، وهي تعيش تحت جلبابه، وتتحرك بأمر منه وأمام ناظريه.

*نقلا عن صحيفة العرب

اضف رداً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*