الرئيسية / الرئيسية / جيجل تتأهب لدخول مركب بلارة العملاق مرحلة الإنتاج

جيجل تتأهب لدخول مركب بلارة العملاق مرحلة الإنتاج

الجزائر – حمزة محصول (الشعب)

يدخل مركب بلارة للحديد والصلب، المرحلة الأولى من الإنتاج  في النصف الثاني من سنة 2017، بعدما عرفت أشغال إنجاز أهم وحداته وتيرة متسارعة، وسيقود هذا المشروع الضخم قاطرة التنمية بولاية جيجل التي تضع اللّبنات الأولى لنسيج صناعي واعد، يؤهلها للعب دور محوري في الاندماج الاقتصادي الجهوي والوطني.

لـ40 سنة، ظلت المنطقة الصناعية «بلارة» بجيجل بأرضها المستوية والشاسعة في أعين المواطنين وقاصدي دائرة الميلية مجرد سراب تتهاوى فيه وعود المشاريع الصناعية الكبرى الواحد تلو الآخر، وبقيت مرتعا مفضلا للحيوانات الأليفة التي تنتفع من بركها المائية وحشائشها الوافرة.

لكن، وبدءًا من 09 مارس 2015، تبدّد السراب وترسم حلم إنشاء مركب ضخم لصناعة الحديد والصلب، الذي طالما راود الجميع، مواطنين وسلطات. ففي هذا التاريخ، تنقل الوزير الأول عبد المالك سلال رفقة رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية لدولة قطر عبد الناصر بن خليفة آل ثاني، إلى عين المكان ووضعا حجر الأساس لإنجاز مركب لإنتاج الحديد والصلب، عقب خلق الشركة المختلطة الجزائرية-القطرية للصلب وتوقيع اتفاقية الانجاز.

ليحسم بذلك مصير أحد أهم المواقع في المنطقة الصناعية بلارة، عقب مد وجزv بشأن المشاريع المقترحة، كمصنع للألمنيوم ومصنع «رونو» للسيارات قبل تحويله لوادي تليلات بوهران، ويجسد المركب الذي أنشأت لأجله أواخر السبعينيات وقيل آنذاك أنه سيكون الحجار 02.

لم تمض سوى ثلاثة أشهر، حتى دخلت الشركة الايطالية «دانييلي» صلب الموضوع وباشرت عملية بناء المركب، بعدما ظفرت بصفقة انتظرها رئيسها ومديرها العام «بينيديتي جيانبيترو»، منذ 1986.

نجم عن انطلاق الأشغال حركية لم تعهدها الولاية، حيث انخرطت مختلف القطاعات والمرافق ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بالمشروع في دينامكية جديدة، خاصة ما تعلق بالشغل واليد العاملة المحلية، ينتظر أن تتطور بشكل أكبر مع بداية الإنتاج. للاطلاع على ما جسّد ميدانيا، خلال الفترة الماضية تنقلت «الشعب» إلى بلارة وعاينت مختلف الورشات.

وتيرة متسارعة

بعد أيام من التساقط غير المنقطع للأمطار الغزيرة، أشرقت الشمس الساطعة مجددا على ولاية جيجل وسواحلها الساحرة، وأطلقت العنان للمتمدرسين للاستمتاع بالعطلة الشتوية خاصة في أسبوعها الثاني والأخير، وسمحت في المقابل بعودة النشاط إلى المشاريع الجارية والتي غالبا ما تتوقف بحجة سوء الأحوال الجوية ما ينجر عنها إخلال فاضح بمواعيد التسليم.

لكن، وبالمنطقة الصناعية لبلارة، بدى الأمر مختلفا، حيث أن ما أنجز في ظرف سنة ونصف يعطي الانطباع أن سير الأشغال لم يتأثر أبدا بالطقس وتقلباته، فمع بلوغ مشارف الميلية، يبرز هيكل معدني عملاق تحيط به أعمدة حديدية لورشات مجزأة تتفاوت في المساحة والارتفاع.

مع الاقتراب من مدخل المنطقة الصناعية الموّشح بأعلام «الشركة الجزائرية-القطرية للصلب»، يضطر أصحاب المركبات السياحية ووسائل النقل الجماعي، إلى أخذ الحيطة والحذر من الحركة الكثيفة لشاحنات الوزن الثقيل التي لا تكاد تتوقف دخولا وخروجا من وإلى الورشة الكبرى.

أمام ذات المدخل، يتجمع بعض المواطنين من مختلف الأعمار، وكلهم ينتظرون تلقي ردا بالإيجاب على طلبات العمل التي وضعوها على مستوى مكاتب بعض المؤسسات المناولة لمباشرة مهامهم في التخصّصات المؤهلين لها، ومنهم شاب عشريني، أبلغنا أنه وضع ملفه لدى شركة تركية وخضع لمقابلة عمل منذ أسبوع، في قيادة الرافعات حيث يملك شهادة تأهيلية.

بالولوج إلى عين المكان يتأكد الانطباع بتقدم الأشغال بوتيرة سريعة، وللتعرف أكثر على تفاصيل ما يجري بناءه على طريقة خلية النحل، استقبلنا رئيس قسم العلاقات العامة والاتصال، إلياس بوسري، الذي يعتبر من الإطارات التي أشرفت على عملية بناء المركب، منذ اليوم الأول.

أكد بوسري، أن الوتيرة كانت منذ البداية متسارعة، بسببها تم توفير كل الظروف الملائمة من قبل المعنيين بالمنشأة الضخمة، سواء الشركة الجزائرية-القطرية للصلب، صاحبة المشروع أو المؤسسة الإيطالية المكلفة بالانجاز أو السلطات العمومية.

قال المتحدث، إنه إنجاز غالبية أوتاد تهيئة الأرضية لهياكل المركب والبالغ عددها 10 آلاف و200 وتد، مفيدا بأن نسبة وضع أوتاد الأساس لجميع المصانع بلغت 100 بالمائة بمجموع 1680 وتد، ولتوضيح أكبر لمدى تقدم الأشغال، فضّل المتحدث، التفصيل في تركيبة المشروع الذي تعمل على إنجازه عدة شركات وطنية وأجنبية، أبرمت  عقود مناولة مع مجمع «دانييلي».

منشأة ضخمة بتكنولوجيا حديثة

بحسب بوسري، فإن «الأمر لا يتعلق بمصنع لإنتاج الحديد والصلب وإنما بمركب يتكون من مجموعة مصانع، تشتغل بتكنولوجيا حديثة تضمن فعالية المنتوج وجودته وتحافظ على البيئة وتتحكم في استهلاك الطاقة».
أوضح أن المركب يتشكل من 10 وحدات، وتتمثل في وحدة الاختزال المباشر، أين يتم تنقية مادة الحديد الخام وتحويلها، والوحدات الثلاث للدرفلة باعتباره نواة المركب، حيث تجري بها عملية صنع وإنتاج الحديد بمختلف أنواعه، بحسب الطلب وبحسب دراسة السوق.

سيتوفر أيضا على فرنين كهربائيين، يستلزم تشغليها بناء محطة للغاز الطبيعي ومحول كهربائي بطاقة 400 ك/و، وكذا مصنع للجير لاستخدامه في أشغال الصيانة الدورية، ولتفادي التأثيرات السلبية على البيئة ستنجز وحدة لمعالجة المياه.

كل هذه المصانع، يفيد المتحدث، ستكتمل بشكل نهائي سنة 2019، ليكون المركب جاهزا 100 بالمائة للعمل بشكل طبيعي، مشيرا إلى عملية البناء التي تتم بنسق مرحلي، بحسب الأولويات المرتبطة بدخول المرحلة الأولى للإنتاج.

ستقدر الطاقة الإنتاجية الأولية للمركب، 2 مليون طن من حديد الخرسانة وخيوط الحديد الطويلة، على أن ينتج في المرحلة الثانية بنفس القدرة مختلف أنواع الصلب على غرار الصفائح الفولاذية والمعدنية التي تستخدم في مختلف الصناعات، كالسكك الحديدية، المركبات والأنابيب.

المرحلة الأولى ستدشن، بحسب القائمين على المشروع، مع بداية نصف الثاني للسنة الجارية..لكن كيف سيتحقق ذلك بوجود فارق ملحوظ في عملية إنجاز مختلف الوحدات السالفة الذكر؟

هنا، يؤكد بوسري أن أول قضيب حديدي للخرسانة سيخرج من وحدة الدرفلة رقم 01، ذلك الهيكل المعدني الكبير الذي يظهر من مسافات بعيدة، والذي بينت المعاينة الميدانية أنه بلغ مستوى متقدم من وضع التجهيزات اللازمة، وستقدر طاقتها الإنتاجية بـ 500 ألف طن.

في انتظار استغلال مادة الحديد الموجودة بكميات ضخمة بمنجم غار جبيلات، وجاهزية وحدة الاختزال المباشر، سيشتغل مركب بلارة على المادة نصف المصنعة (الصلب)، المستوردة بأسعار معقولة ويصنعها إلى منتوج نهائي، ليسوقها بفارق مالي يلبي قدرات واحتياجات السوق الوطنية.

مشاريع قاعدية حيوية

يتطلب مشروع بهذا الحجم، توفير منشآت قاعدية حيوية لا يمكن الاستغناء عنها أثناء عملية الاستغلال، حيث يستلزم تخصيص خطوط لنقل المادة الأولية ونصف المصنعة والمنتوج النهائي من وإلى المركب وتوفير مصادر الطاقة على غرار الغاز الطبيعي، الكهرباء والمياه، مما أدى إلى إطلاق مشاريع لتلبية احتياجات الشركة الجزائرية-القطرية للصلب.

يعتبر ميناء «جن جن»، رئة المشروع، حيث خصّصت هذه المؤسسة المينائية منطقة لوجيستية لتخزين ونقل التجهيزات والوسائل، الخاصة بالمركب عبر خط ازدواجي للسكة الحديدية، انطلقت أشغال انجازه في الأشهر القليلة الماضية على مسافة 48.5 كلم وبتكلفة مالية قدرت بـ 4.5 مليار دج.

بالنسبة للطاقة الكهربائية، ستنتهي أشغال جلب الخط الكهربائي 400 ك/و، من منطقة وادي العثمانية (ميلة) على مسافة 65 كلم، أوائل العام الجاري،  وسيموّن المركب بشكل مؤقت في انتظار استكمال محطة 1600 ميغاواط، الجاري انجازها بمحاذاة المركب بالميلية، العام المقبل، لتكون مصدرا دائما للتموين بعد المرور على محولي بلدية أولاد يحيى خدروش.

تم تزويد المركب بالغاز الطبيعي، بشكل مؤقت في أوت الماضي، على أن تنطلق أشغال إنجاز أنبوب الغاز الذي يربطه من منطقة ديدوش مراد، بقسنطينة على مسافة 64 كلم.

بالنسبة للمياه، سيكون سد بوسيابة بالميلية، المورد الدائم لمركب الحديد والصلب، حيث تتكفل مؤسسة بإنجاز الخط على مسافة 11 كلم، وكان يفترض أن تنتهي الأشغال به في غضون الشهرين المقبلين. استلام خط السكة الحديدية والخط الكهربائي وأنبوب الغاز الطبيعي وقنوات نقل المياه، في المستقبل القريب سيجعل من انطلاق المرحلة الأولى من الانتاج في المتناول في نصف الثاني من السنة الحالية.

حركية اقتصادية غير مسبوقة

بدأت انعكاسات بناء مركب الحديد والصلب، على ولاية جيجل المعروفة بهدوئها والسياحة العائلية المميزة في فصل الصيف، تظهر بشكل جلي وغير مسبوق، حيث تصاعد نشاط ميناء جن جن، ولن تقتصر أكبر مهامه على المدى القريب في استقبال شحنات السيارات المستوردة من الخارج.

سيستفيد من هذه الحركية، النقل الجوي بمطار «فرحات عباس» الذي يتوفر على محطة دولية، نظرا للعدد المعتبر للرعايا الأجانب، العاملين بالمشروع.

سيضخ المركب دماءً جديدة في قطاع النقل بالسكك الحديدية والطرقات، ويطور الأنشطة التجارية عبر شبكات البيع بالتجزئة ويحافظ على مختلف المهن ذات العلاقة مع قطاع الحديد والصلب والمناجم والطاقة.

سيصّب كل هذا في مصلحة اليد العاملة حيث يقدر توفير و1500 منصب شغل مباشر، 10 آلاف منصب غير مباشر، وتستوعب ورشات المركب حاليا ما يناهز 3000 عامل، غالبيتهم من أبناء الولاية.

لاشك أن مشروع بقيمة استثمارية، ناهزت الـ 2.1 مليار دولار، سيكون بادرة لتغيير النمط الاقتصادي لولاية جيجل، القائم فيما سبق على الفلاحة والسياحة غير المستغلة بالشكل اللازم وبعض الأنشطة الصناعية الخفيفة، من خلال تطوير نسيج صناعي محلي، بدأت ملامحه تظهر من خلال استحداث مناطق نشاط جديدة، على غرار الحظيرة الصناعية المتواجدة في نفس الحيّز الجغرافي للمركب ببلارة، والتي شرعت في استقبال أول المشاريع على مصنع الاسمنت بشراكة جزائرية-إماراتية سيتخذ من مشتقات ومخلفات مركب الحديد والصلب مادة أولية، يتم تحويلها وتصديرها إلى الخارج.

تحوّل جيجل إلى عاصمة للحديد والصلب في المنطقة المغاربية، مثلما صرّح وزير الصناعة والمناجم سابقا، واكتسابها لهياكل قاعدية كالميناء والمطار والطريق السيار «جن جن» العلمة، سيساهم في خلق تنمية اقتصادية واعدة تمتد إلى غاية الولايات المجاورة، ناهيك عن تحقيق اكتفاء البلاد من مادة الحديد.

اضف رداً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*